عثمان بن جني ( ابن جني )
385
الخصائص
باب في توجه اللفظ الواحد إلى معنيين اثنين وذلك في الكلام على ضربين : أحدهما - وهو الأكثر - أن يتفق اللفظ البتّة ، ويختلف في تأويله . وعليه عامّة الخلاف ؛ نحو قولهم : هذا أمر لا ينادى وليده ؛ فاللفظ غير مختلف فيه ، لكن يختلف في تفسيره . فقال قوم : إن الإنسان يذهل عن ولده لشدّته ، فيكون هذا كقول اللّه تعالى : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ [ الحج : 2 ] وقوله سبحانه : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [ عبس : 34 ، 35 ] ( والآي في هذا المعنى كثيرة ) . وقال قوم : أي هو أمر عظيم ، فإنما ينادى فيه الرجال والجلّة ، لا الإماء والصبية . وقال آخرون : الصبيان إذا ورد الحىّ كاهن أو حوّاء أو رقّاء حشدوا عليه ، واجتمعوا له . أي ليس هذا اليوم بيوم أنس ولهو ، إنما هو يوم تجرّد ، وجدّ . وقال آخرون - وهم أصحاب المعاني - : أي لا وليد فيه فينادى ( وإنما فيه الكفاة والنهضة ) ومثله قوله " 1 " : * على لاحب لا يهتدى بمناره * أي لا منار فيه فيهتدى به ، وقوله أيضا : لا تفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الذئب بها ينجحر " 2 "
--> ( 1 ) أي امرئ القيس . وعجزه : * إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا * واللاحب : الطريق الواسع . وسافه : شمه ، والعود : البعير المسن . والدّيافىّ ، نسبة إلى دياف ، وهي قرية بالشام تنسب إليها النجائب . والبيت في اللسان ( سوف ) وقوله : لا يهتدى بمناره يقول : ليس به منار فيهتدى به ، وإذا ساف الجمل تربته جرجر جزعا من بعده وقلة مائه . ( 2 ) البيت من السريع ، وهو لابن أحمر في ديوانه ص 67 ، وأمالي المرتضى 1 / 229 ، وخزانة الأدب 10 / 192 ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 11 / 313 . ويروى : ( الضب ) مكان ( الذئب ) .